الشيخ محمد رشيد رضا

66

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والطاعة كما أكد عليهم التحريم وكان فيهم المدمنون للخمر من عهد الجاهلية ، حتى شق عليهم تحريمها فكان أشد من جميع التكاليف الشرعية . وكانوا قد اجتهدوا في آية البقرة لان الدلالة على التحريم فيها ظنية غير قطعية كما بيناه غير مرة ، فلما جاء الحق اليقين والتحريم الجازم ، انتهوا وأهرقوا جميع ما كان عندهم من الخمور في الشوارع والأزقة ، حتى ظل أثرها وريحها زمنا طويلا ، وقد قدح بعض أذكيائهم زناد الفكر عسى أن يهتدوا إلى شيء يجدون فيه بعض الرخصة من النبي ( ص ) فلم يجدوا الا أن من قد مات من أهل بدر وأحد كسيد الشداء حمزة عم الرسول ( ص ) وغيره ماتوا وهم دائبون على شربها ، فلم تغن عنهم هذه الشبهة شيئا . لأن اللّه لا يكلف الناس العمل بأحكام الشريعة قبل نزولها . وهاك بعض ما ورد في ذلك زائدا على ما أوردنا من قبل روى البيهقي في شعب الايمان عن أبي هريرة قال : قام رسول اللّه فقال « يا أهل المدينة ان اللّه يعرض عن الخمر تعريضا ، لا أدري لعله سينزل فيها أمر » - أي قاطع - ثم قام فقال « يا أهل المدينة ان اللّه قد أنزل إلي تحريم الخمر ، فمن كتب منكم هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربها » . وأخرج مسلم وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا رسول اللّه ( ص ) فقال « يا أيها الناس ان اللّه قد عرض بالخمر فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به » فلم نلبث الا يسيرا حتى قال « ان اللّه قد حرم الخمر ، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع » قال فاستقبل الناس بما كان عندهم منها فسفكوها في طرق المدينة وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الربيع قال : لما نزلت آية البقرة قال رسول اللّه ( ص ) « ان ربكم يقدم في تحريم الخمر » ثم نزلت آية النساء فقال النبي ( ص ) « ان ربكم يقرب في تحريم الخمر » ثم نزلت آية المائدة فحرمت الخمر عند ذلك . وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : أول ما نزل من تحريم الخمر ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) الآية . فقال بعض الناس نشر بها لمنافعها وقال آخرون : لا خير في شيء فيه إثم ، ثم نزلت ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ